عماد الدين خليل

263

دراسة في السيرة

الدينية لمن سالموه وكفوا عنه . ترى - يقول الغزالي - هل احترم أهل الكتاب ما عليهم من واجب ، وهل أنصفوا الدين الذي رعى ذمامهم ؟ كلا ! ! فإنهم سرعان ما راحوا يساعدون على إشعال الثورات في جنوب الجزيرة ، كما كاتبوا الأسود العنسي ( المتنبىء ) فسار إليهم في طريقه إلى اليمن . . . تماما كما فعل نصارى تغلب في تأييدهم مسيلمة الكذاب حين ادعى - هو الآخر - أنه نبي ! ! . . ولم يكن الأمر إيمانا منهم بهذه النبوات الزائفة ولكنه الإعانة على حرب الإسلام بأي سلاح ومع أي حليف « 1 » . [ 8 ] وما أن أتم الرسول صلى اللّه عليه وسلم لقاآته بالوفود العربية القادمة إليه من كل مكان ، وحج بأتباعه حجة ( الوداع ) ، حتى قام بتجهيز جيش كبير في مطلع السنة الحادية عشر للهجرة في أعقاب عودته من مكة ، وأمّر عليه القائد الشاب أسامة بن زيد بن حارثة تقديرا من الرسول صلى اللّه عليه وسلم للكفاآت الشابة ، ورفضا لسلم الطبقات الاجتماعية الذي لا يسمح لمن كان آباؤهم عبيدا يباعون ويشترون ، أن يتولوا قيادة السادة ! ! وردا عمليا على محنة المسلمين في مؤتة حيث كان زيد بن حارثة ، والد القائد الشاب ، قد شاط في رماح القوم ! ! وأمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم مولاه أسامة أن ( يوطئ ) الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين . وانطلق أسامة ومن ورائه زهرة قوات المسلمين ، لم يتخلف منهم أحد ، وعلى رأسهم المهاجرون الأولون « 2 » . تقدم أسامة باتجاه الشمال وعسكر في ( الجرف ) على بعد فرسخ من المدينة ، ريثما يتم تجميع المقاتلين ، وهناك بلغته أنباء مرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتوقف عن المسير وظل معسكرا بجنده لينظر ما اللّه قاض برسوله صلى اللّه عليه وسلم . ولم يطق المسلمون وقائدهم صبرا على البقاء والانتظار ، ورسولهم يعاني الآلام ، فهبطوا عائدين إلى المدينة . ودخل أسامة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد عجز عن

--> ( 1 ) فقه السيرة ص 463 - 464 . ( 2 ) ابن هشام ص 374 ، الطبري : تاريخ 3 / 184 ، البلاذري : أنساب 1 / 384 .